فخر الدين الرازي

21

تفسير الرازي

ثم أخرجهم الله تعالى من ذلك الكفر إلى الإيمان ، ثم هاهنا قولان : القول الأول : أن يجري اللفظ على ظاهره ، وهو أن هذه الآية مختصة بمن كان كافراً ثم أسلم ، والقائلون بهذا القول ذكروا في سبب النزول روايات أحدهما : قال مجاهد : هذه الآية نزلت في قوم آمنوا بعيسى عليه السلام وقوم كفروا به ، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم آمن به من كفر بعيسى ، وكفر به من آمن بعيسى عليه السلام وثانيتها : أن الآية نزلت في قوم آمنوا بعيسى عليه السلام على طريقة النصارى ، ثم آمنوا بعده بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فقد كان إيمانهم بعيسى حين آمنوا به ظلمةً وكفراً ، لأن القول بالاتحاد كفر ، والله تعالى أخرجهم من تلك الظلمات إلى نور الإسلام وثالثتها : أن الآية نزلت في كل كافر أسلم بمحمد صلى الله عليه وسلم . والقول الثاني : أن يحمل اللفظ على كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم سواء كان ذلك الإيمان بعد الكفر أو لم يكن كذلك ، وتقريره أنه لا يبعد أن يقال يخرجهم من النور إلى الظلمات وإن لم يكونوا في الظلمات البتة ، ويدل على جوازه : القرآن والخبر والعرف ، أما القرآن فقوله تعالى : * ( وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ) * ( آل عمران : 103 ) ومعلوم أنهم ما كانوا قط في النار وقال * ( لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي ) * ( يونس : 98 ) ولم يكن نزل بهم عذاب البتة ، وقال في قصة يوسف عليه السلام : * ( تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله ) * ( يوسف : 37 ) ولم يكن فيها قط ، وقال : * ( ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ) * ( النحل : 70 ) وما كانوا فيه قط ، وأما الخبر فروي أنه صلى الله عليه وسلم سمع إنساناً قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، فقال على الفطرة ، فلما قال : أشهد أن محمداً رسول الله ، فقال خرج من النار ، ومعلوم أنه ما كان فيها ، وروي أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم أقبل على أصحابه فقال : تتهافتون في النار تهافت الجراد ، وها أنا آخذ بحجزكم ، ومعلوم أنهم ما كانوا متهافتين في النار ، وأما العرف فهو أن الأب إذا أنفق كل ماله فالابن قد يقول له : أخرجتني من مالك أي لم تجعل لي فيه شيئاً ، لا أنه كان فيه ثم أخرج منه ، وتحقيقه أن العبد لو خلا عن توفيق الله تعالى لوقع في الظلمات . فصار توفيقه تعالى سبباً لدفع تلك الظلمات عنه ، وبين الدفع والرفع مشابهة ، فهذا الطريق يجوز استعمال الإخراج والإبعاد في معنى الدفع والرفع والله أعلم . أما قوله تعالى : * ( والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ) * فاعلم أنه قرأ الحسن * ( أولياؤهم الطواغيت ) * واحتج بقوله تعالى بعده * ( يخرجونهم ) * إلا أنه شاذ مخالف للمصحف وأيضاً قد بينا في اشتقاق هذا اللفظ أنه مفرد لا جمع . أما قوله تعالى * ( يخرجونهم من النور إلى الظلمات ) * فقد استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن الكفر